محمد بن جرير الطبري
197
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفسه والآلهة التي تعبد من دونه ، فقال تعالى ذكره : وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ يعني بذلك الصنم أنه لا يسمع شيئا ولا ينطق ، لأنه إما خشب منحوت وإما نحاس مصنوع لا يقدر على نفع لمن خدمه ولا دفع ضر عنه . وهو كل على مولاه يقول : وهو عيال على ابن عمه وحلفائه وأهل ولايته ، فكذلك الصنم كل على من يعبده ، يحتاج أن يحمله ويضعه ويخدمه ، كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شئ ، فهو كل على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم . أينما يوجهه لا يأت بخير يقول : حيثما يوجهه لا يأت بخير ، لأنه لا يفهم ما يقال له ، ولا يقدر أن يعبر عن نفسه ما يريد ، فهو لا يفهم ولا يفهم عنه ، فكذلك الصنم لا يعقل ما يقال له فيأتمر لأمر من أمره ، ولا ينطق فيأمر وينهي يقول الله تعالى : هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل يعني : هل يستوي هذا الأبكم الكل على مولاه الذي لا يأتي بخير حيث توجه ومن هو ناطق متكلم يأمر بالحق ويدعو إليه وهو الله الواحد القهار الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته ؟ يقول : لا يستوي هو تعالى ذكره ، والصنم الذي صفته ما وصف . وقوله : وهو على صراط مستقيم يقول : وهو مع أمره بالعدل ، على طريق من الحق في دعائه إلى العدل وأمره به مستقيم ، لا يعوج عن الحق ولا يزول عنه . وقد اختلف أهل التأويل في المضروب له هذا المثل ، فقال بعضهم في ذلك بنحو الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : لا يقدر على شئ قال : هو الوثن . هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل قال : الله يأمر بالعدل . وهو على صراط مستقيم وكذلك كان مجاهد يقول إلا أنه كان يقول : المثل الأول أيضا ضربه الله لنفسه وللوثن . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى ذكره : عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا ورجلين أحدهما أبكم ومن يأمر بالعدل قال : كل هذا مثل إله الحق ، وما يدعي من دونه من الباطل . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .